ابن هشام الحميري
271
كتاب التيجان في ملوك حمير
تعلمون الغدر ، أتدرون من أنا ؟ قالوا له : لا قال لهم : أنا نفير ملك الهند فعلت بنفسي ما ترون لأقتلكم وأشتفي منكم نقمة لقومي وشفقة عليهم فأخذوه ورجعوا في طريقهم . قال أبو محمد : لما سار نفير عن تبع بعسكره جمع حمير فقال : معاشر حمير أن العجم قليل صبرهم عند اللقاء وسريع غدرهم عند البلاء وقد مضى هذا الهندي بجميع رجالي ولم يمض بهم إلا إلى معاطش فاني لا أرى في أرضهم شيئاً يكاد به إلا المجانة فأخرج ذا جدن بن المسكين الحميري وأمره بحمل الماء على الجمال ففعل ذو جدن ما أمره به تبع ، وتبع أثرهم فلقيهم وهم يتساقطون عطشاً فشربوا وسقوا خيولهم ورجعوا . فلما نظر إليهم نفير لم يمت منهم إلا اليسير من الأتباع قال : يا نفير دافعت القضاء بالمنى ، ولكن أنت بين أمرين إن خلصت ناصحت لتبع وإن مت وفيت لقومك وكلا الحالين كرم . ثم إن عسكر تبع رجع إليه وأمر بنفير فمثل بين يديه فقال له تبع : أنت نفير ؟ قال له : نعم أيها الملك ، قال له تبع : لم غدرت ؟ قال له نفير : أيها الملك إني لم أغدر لأني لم أعهد بل وفيت لقومي ومكرت بعدوهم فإذا قتلتني قتلت مانحاً وإن تركتني تركت ناصحاً والعفو أخلق بقدرة الكريم . قال له تبع : يا نفير وفيت لقومك وقد يكون لك منهم العدو الكاشح والحسود الضاغن والمماري الملحد فكيف بك أن أحسن ؟ فاني يا نفير قد عفوت عنك وصفحت عن زلتك وذنبك ووليتك على قومك ، قال له نفير : أيها الملك أسأت إليهم وأحسنت إلي فأوثقت به عهدي وملكت به رقي وهل أنت مطيعي أيها الملك ؟ قال تبع : قل ، قال نفير : أيها الملك أرض الهند وبيئة لطارئها فلا تقارعها بالمهج فمن تاجر بروحه لم يربح وقومي في جبل كما تراهم يموتون اجمع فيه ولا ينزلون فيطلق يدي الملك افعل برأيي . فطلع نفير